الغزالي

87

المستصفى

وكل بالليل نسخا ، وقوله تعالى : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( البقرة : 781 ) نسخا ، وليس فيه معنى الرفع ولا يغنيهم أن يزيدوا شرط التراخي ، فإن قوله الأول إذا لم يتناول إلا النهار فهو متقاعد عن الليل بنفسه ، فأي معنى لنسخه ، وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول وأريد باللفظ الدلالة عليه ، وما ذكروه تخصيص ، وسنبين وجه مفارقة النسخ للتخصيص ، بل سنبين أن الفعل الواحد إذا أمر به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا لانقطاع مدة العبادة . وأما المعتزلة فإنهم حدوه : بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجهه ، لولاه لكان ثابتا ، وربما أبدلوا لفظ الزائل بالساقط ، وربما أبدلوه بالغير الثابت كل ذلك حذرا من الرفع وحقيقة النسخ الرفع فكأنهم أخلوا الحد عن حقيقة المحدود فإن قيل تحقيق معنى الرفع في الحكم يمتنع من خمسة أوجه : الأول : أن المرفوع إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له ، والثابت لا يمكن رفعه ، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه ، فدل أن النسخ هو رفع مثل الحكم الثابت لا رفع عينه أو هو بيان لمدة العبادة كما قاله الفقهاء . الثاني : أن كلام الله تعالى قديم عندكم والقديم لا يتصور رفعه . الثالث : أن ما أثبته الله تعالى إنما أثبته لحسنه ، فلو نهى عنه لأدى إلى أن ينقلب الحسن قبيحا وهو محال . الرابع : أن ما أمر به أراد وجوده ، فما كان مرادا كيف ينهى عنه حتى يصير مراد العدم مكروها . الخامس : أنه يدل على البداء ، فإنه نهى عنه بعدما أمر به ، فكأنه بدا له فيما كان قد حكم به وندم عليه . فالاستحالة الأولى : من جهة استحالة نفس الرفع ، والثانية : من جهة قدم الكلام ، والثالثة : من جهة صفة ذات المأمور في كونه حسنا قبيحا ، والرابعة : من جهة الإرادة المقترنة بالامر ، والخامسة : من جهة العلم المتعلق به وظهور البداء بعده . والجواب عن الأول : أن الرفع من المرفوع كالكسر من المكسور وكالفسخ من العقد ، إذ لو قال قائل : ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتسديس وتدوير فإن الزائل بالكسر تدوير موجود أو معدوم ، والمعدوم لا حاجة إلى إزالته ، والموجود لا سبيل إلى إزالته ، فيقال : معناه أن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائما لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر ، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية لولا الكسر ، فكذلك الفسخ يقطع حكم العقد من حيث أن الذي ورد عليه لولاه لدام ، فإن البيع سبب للملك مطلقا ، بشرط أن لا يطرأ قاطع ، وليس طريان القاطع من الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا ممدودا إلى غاية الفسخ فإنا نعقل أن نقول بعتك هذه الدار سنة ، ونعقل أن نقول : بعتك وملكتك أبدا ، ثم نفسخ بعد انقضاء السنة ، وندرك الفرق بين الصورتين ، وأن الأول وضع لملك قاصر بنفسه ، والثاني : وضع لملك مطلق مؤبد إلى أن يقطع بقاطع ، فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد لولا القاطع لا بيانا لكونه في نفسه قاصر ، وبهذا يفارق النسخ التخصيص ، فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ ما أريد به الدلالة إلا على البعض ، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه ، ولأجل خفاء معنى الرفع أشكل على الفقهاء ووقعوا في إنكار معنى النسخ . وأما الجواب عن الثاني : وهو استحالة رفع الكلام القديم فهو فاسد ، إذ ليس معنى النسخ رفع الكلام ، بل قطع تعلقه بالمكلف والكلام